أبي طالب المكي
11
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
تولَّاه من إحدى ثلاث مشاهدات ، وإن دنت مشاهدته نظر إلى قسمه من العطاء في الصحيفة التي كتبت له عند تصوير خلقه ، فكتب فيها رزقه وأجله وأثره ، وشقيّ أو سعيد . فكما لا يقدر أحد من الخلق أن يجعله سعيدا إن كان قسمه شقيّا ، فلا يقدر أحد أن يجعله شقيّا إن كان قسمه سعيدا . كذلك لا يقدر أحد أن يمنعه ما أعطاه مولاه من القسم ، فيجعله محروما ، ولا يعطيه ما منعه من الحكم فيجعله مرزوقا ، لأن ذلك قد كتب كتبا واحدا وجعل مجعلا سواء . فإن ارتفعت مشاهدته نظر إلى هذا في اللوح المحفوظ مفروغا له منه ، وهو أم الكتاب الذي استنسخ منه هذه الصحيفة ، فكان يقينه يكتب رزقه في اللوح ، وأنه لا يزاد فيه بحول ولا حيلة ولا ينقص منه لعجز ولا سكينة ، كيقينه بما كتب فيه من أنه من أهل الجنة فهو داخلها لا محالة . وإن عمل أي عمل بعد أن يكون قد كتب اسمه في اللوح وجعل له فيها أثر كقوله تعالى : * ( ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ من بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) * [ الأنبياء : 105 ] فقد كتبت الآثار والأرزاق من كل شيء كتبا واحدا في ثلاث مواضع ، توكيدا للعلم وتسكينا للقلب في القسم ، كتب ذلك في الذّكر الأول وهو اللوح المحفوظ ثم في الزبر الأولى وهي الصحف ، ثم أنزل ذلك في كتابنا هذا الذي به عرفنا ما سلف من ذلك ، وإن علت مشاهدة كل عبد عن مقامه ومن معبوده ومن مكانه في دنوّه وعلوّه يشهد هذا الذي ذكرناه معلوما في علم الله تعالى قبل خلق اللوح ، فسكن قلبه واطمأن إلى علم الله سبحانه وتعالى وما سبق له منه . ولهذا جاء في الأثر أن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن يكون ثواب المصيبة أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك ، أي فيقلّ حرصك لنفاذ شهادتك ويذهب في الخلق طمعك ، فهذا هو الرضا والزهد ، فقد جمع التوكَّل المقامين معا . فما في يد الله سبحانه وتعالى هو رزقك الواصل إليك ، لا شكّ فيه على أي حال ، وهو الذي لك عند الله ، وهو معلوم علم الله تعالى الذي لا ينقلب ، وذلك أحد ثلاثة أشياء : ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت . فهذا هو الذي لك في الدنيا والآخرة . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : يقول ابن آدم مالي . تعجّب من جهل ابن آدم وغفلته ، ثم قال : إنما لك من مالك . فذكر هذه الثلاث واشترط مع كل واحدة آخر غايتها فقال : ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت . فاشترط الإفناء والإبلاء والإمضاء . ثم قال بعد ذلك : وما سوى ذلك فهو مال الوارث . فهذه الثلاث على هذه الأوصاف هي رزق العبد ، وهي التي في يد الله عزّ وجلّ له ، الواصلة إليه ، فأما ما جعله في يد العبد فقد لا لا يكون له ، وإنما هو مستودع إياه ومستخلف فيه ، وإن تملَّكه وحازه خمسين سنة وإنما